أبو الليث السمرقندي

323

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها أي من سنّ في الإسلام سنة قبيحة محدثة ، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء . وقال الكلبي : مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يعني : يصلح بين اثنين يكن له أجر منها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يمشي بالنميمة والغيبة ، يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها يعني إثم منها . وقال مجاهد : إنما هي شفاعة في الناس بعضهم لبعض ، يعني يشفع لأخيه المسلم في دفع المظلمة عنه . وروى سفيان عن عمرو بن دينار أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « اشفعوا إليّ تؤجروا فإنّ الرّجل منكم يسألني الأمر فأمنعه كي ما تشفعوا فتؤجروا » . وقال الحسن : الشفاعة تجري أجرها لصاحبها ما جرت منفعتها ، والكفل في اللغة النصيب . كقوله تعالى : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [ الحديد : 28 ] ثم قال تعالى : وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً والمقيت المقتدر . يقال : أقات على الشيء يعني اقتدر . ويقال : المقيت الشاهد على الشيء ، الحافظ له ، ويقال : مقيتا يعني : بيده الرزق وعليه قوت كل دابة ، كقوله تعالى وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها [ فصلت : 10 ] . قوله تعالى : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ يعني إذا سلم عليكم فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أي ردوا جوابها بأحسن منها أَوْ رُدُّوها أي مثلها ، فأمر اللّه تعالى المسلمين برد السلام ، بأن يردوا بأحسن منها ، وهو أن يقولوا : وعليكم السلام ورحمة اللّه وبركاته ، أو يرد مثله ، فيقول : وعليكم السلام ، وقال قتادة : فحيوا بأحسن منها للمسلمين ، أو ردوها لأهل الذمة ، فيقول لهم : وعليكم ، وروي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أن رجلا دخل عليه ، وقال : السلام عليكم ، فقال له : « وعليكم السّلام فلك عشر حسنات » . ودخل آخر فقال : السلام عليكم ورحمة اللّه ، فرد عليه فقال : « لك عشرون حسنة » . ودخل آخر فقال : السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته ، فرد عليه فقال : « لك ثلاثون حسنة » . وروي عنه أنه نهى أن ينقص الرجل من سلامه أو من ردّه ، وهو أن يقول : السلام عليك ، ولكن ليقل : السلام عليكم . ويقال : إنما ذلك للمؤمنين ، لأن المؤمن لا يكون وحده ولكن يكون معه الملائكة . وفي هذه الآية دليل أن السلام سنة ، والرد واجب لأن اللّه تعالى أمر بالرد ، والأمر من اللّه تعالى واجب ويقال : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها يعني إذا أهدي إليكم بهدية ، فكافئوا بأفضل منها أو مثلها . وهذا التأويل ذكر عن أبي حنيفة . ثم قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً أي مجازيا . قوله تعالى : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ نزلت في شأن الذين شكوا في البعث ، فأقسم اللّه تعالى بنفسه لَيَجْمَعَنَّكُمْ وهذه لام القسم ، وكل لام بعدها نون مشددة فهي لام القسم . وقوله : إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ قال بعضهم : إلى صلة في الكلام ، معناه ليجمعنكم يوم القيامة . ويقال : ليجمعنكم في الموت وفي قبوركم إلى يوم القيامة ، ثم يبعثكم لا رَيْبَ فِيهِ أي لا شك فيه ،